الإفراج عن المعتقلين السياسيين في السودان.. مراوغة أم ضغوط؟

أطلقت السلطات السودانية، سراح أكثر من 80 شخصا من الناشطين السياسيين والطلاب كمجموعة أولى للإفراج عن جميع المعتقلين على إثر الاحتجاجات المنددة بغلاء الأسعار وارتفاع أسعار الخبز، الشهر الماضي.

وأمام سجن كوبر في شمال العاصمة السودانية، كان بانتظار خروج المعتقلين، العشرات من ذويهم وأقاربهم الذين استقبلوهم في أجواء احتفالية، ورددوا هتافات “حرية وسلام وحضارة والثورة خيار الشعب”، وطلبت السلطات السودانية من وسائل الإعلام الحضور لتغطية خبر إطلاق سراح المعتقلين، وأعلنت السلطات أنه تم الإفراج عن المعتقلين بإصدار عفو من الرئيس عمر البشير.

اللافت في عملية الإفراج غياب أهم قيادات الحزب الشيوعي من قائمة المفرج عنهم، على رأسهم مختار الخطيب، رئيس الحزب، بالإضافة إلى رؤساء حزب المؤتمر السوداني المعارض وحزب الوسط الإسلامي، الذين مازالوا قيد الاعتقال، لكن مساعد الرئيس السوداني، عبد الرحمن الصادق المهدي، أعلن أمام أجهزة الإعلام، أن عملية الإفراج تشمل جميع المعتقلين فورًا، لكن هناك إجراءات ستتواصل لتشمل الباقين.

ومن أبرز المفرج عنهم كوادر وقيادات حزب الأمة القومي المعارض؛ في مقدمتهم نائب رئيس الحزب، فضل الله برمة ناصر، والأمين العام، سارة نقد الله، بالإضافة إلي بعض الناشطين، وعلى رأسهم الناشطة في حقوق الإنسان، أمل هباني.

وكانت مظاهرات احتجاجية اندلعت في يناير الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم وفي أنحاء مختلفة من البلاد؛ احتجاجًا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وفي مقدمتها الخبز، إلا أن السلطات السودانية قمعت المظاهرات، وأقدمت شرطة مكافحة الشغب والأمن على تفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع، وتم اعتقال عدد من قادة الأحزاب والنشطاء السياسيين والطلاب.

ضغوط دولية وراء عملية الإفراج

يرى مراقبون أن عملية الإفراج عن المعتقلين جاءت نتيجة ضغوط أمريكية وأوروبية ومن منظمة العفو الدولية على السلطات السودانية، حيث كانت السفارة الأمريكية بالخرطوم أصدرت بيانًا منذ ثلاثة أيام عبرت فيه عن قلقها من اعتقال مئات المعارضين والناشطين السياسيين، قائلة إن عددًا كبيرًا منهم محتجزون في ظروف غير إنسانية ومهينة مع عدم تمكن محاميهم وأسرهم من الوصول إليهم.

وأكدت السفارة في بيانها، أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤمن بأن من حق أي سوداني أن يتمتع بحقوقه الرئيسية بما فيها حق التظاهر السلمي بدون أي قيود.

من جهة أخرى، طالبت سفارات دول الاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك، السلطات السودانية بالإفراج عن رؤساء الأحزاب والمعارضين ونشطاء حقوق الإنسان الذين تم توقيفهم في احتجاجات غلاء الأسعار الأخيرة.

كما جاءت عملية الإفراج بعد مرور أسبوع على إعادة تعيين الفريق صلاح عبدالله جوش، مديرا عاما لجهاز الأمن والمخابرات، خلفًا لمحمد عطا الذي أقيل على خلفية الاحتجاجات.

ويعرف عن جوش، علاقته القوية مع الولايات المتحدة، حيث أثار خبر تعيينه ضجة إعلامية وكان مفاجأة للكثيرين باعتبار أنه أقيل سابقًا، إلا أن الرئيس البشير أعاد تعيينه.

وأثيرت تخوفات من أن يتعامل المدير المعاد بحده وعنف مع المعارضة، لكن يبدو أنه أراد فتح صفحة جديدة مع المعارضة ويزيل جانب من أسباب الاحتقان السياسي في البلاد، إلا أن السبب الرئيسي لا يزال قائمًا وهو حالة التدهور الاقتصادي، بالإضافة إلى الأمور المتعلقة بالحريات والعدالة وتداول السلطة.

المعارضة مستمرة

وقال رئيس الحزب الناصري، ساطع الحاج، إن حكومة الخرطوم منذ وصلت للحكم عن طريق الانقلاب العسكري عام 1989، دأبت على الاعتقالات وقمع المعارضة، وهذه ليست المرة الأولى، بل نفذتها الحكومة عشرات المرات، حيث تعتقل القيادات الشعبية والمعارضة، ثم تحاول دائمًا أن تضفي أجواء احتفالية عند إطلاق سراحهم.

ونوه ساطع، إلى أن إطلاق سراح المعتقلين لم يأت نتيجة مفوضات مع المعارضة، مؤكدًا أن المعارضة تغلق باب التفاوض مع السلطة نهائيًا، ويعتقد أن هنالك ضغوطا دولية مورست على السلطة السودانية من أجل الإفراج عن المعتقلين.

وأشار إلى أن الاحتجاجات الأخيرة عبرت عن الضيق الاقتصادي للشعب السوداني من السياسات التي تنتهجها الحكومة والتي زادت الشعب فقرًا على فقره، وأضاف ساطع: “نحن في المعارضة لن نتوقف إطلاقًا عن مقاومة هذا النظام حتى نحقق أهدافنا الحقيقة لإيجاد سلام مستدام في السودان وتنمية حقيقة وتداول سلمي للسلطة”.