الانتخابات الجزائرية.. انقسامات مبكرة داخل الحزب الحاكم

بالتزامن مع وضع اقتصادي صعب ومظاهرات شعبية تتسع رقعتها، تعيش الجزائر أزمة سياسية حادة في ظل اضطرابات وتعقيدات وغموض يغلف مصير الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها خلال شهري أبريل ومايو من العام المقبل 2019.

رغم أن الحديث عن الانتخابات الجزائرية ومرشحيها لا يزال مبكرًا للغاية، إلا أن الأمر لم يمنع الأحزاب الجزائرية سواء الموالية للنظام أو المعارضة له، من ترتيب أوراقها السياسية استعدادًا للانتخابات، وخلال عملية الترتيب تظهر العديد من الخلافات والتعقيدات والانقسامات التي جعلت حرارة الموسم الانتخابي الذي يفصلنا عنه حوالي 15 شهرا، تصل إلى الساحة السياسية الجزائرية مبكرًا.

اضطراب سياسي

بين ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، لعهدة رئاسية خامسة رغم وعكته الصحية، أو الاكتفاء بالعشرين عام الذي قضاها كرئيس سابع للبلاد منذ استقلالها، تسقط الجزائر في اضطرابات سياسية، وسط مطالب بإقرار مرحلة انتقالية، وتشكيل هيئة تأسيسية تعيد صياغة دستور توافقي، وتنظم انتخابات بإشراف هيئة مستقلة، الأمر الذي ترفض الأحزاب الموالية للنظام مجرد الحديث عنه، حيث أعلنت الأمين العام لحزب العمال، لويزة حنون، عن مباردة سياسية جديدة، على شكل عريضة سترفعها إلى رئيس الجمهورية، عقب جمع مليون ونصف توقيع عليها.

وبحسب ما كشفت عنه حنون، فإن العريضة تتضمن دعوة للرئيس لانتخاب مجلس وطني تأسيسي، يتم بموجبه إرساء قواعد تجديد سياسي حقيقي قادر على إنقاذ الدولة الجزائرية، وهو الاقتراح الذي سريعًا ما رد عليه الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، جمال ولد عباس، بالقول إن قرار إنشاء المجلس التأسيسي لتصحيح الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الوطن، يمسح كل الإنجازات التي قام بها سياسيو الجزائر منذ الاستقلال، مضيفًا “حنون تريد مسح مسار الجزائر من 1962 إلى 2018”.

إشكالية ترشح بوتفليقة تُطيح بطليبة

بعيدًا عن تشكيل “مجلس تأسيسي” من عدمه، فإن الحديث الأهم يدور في الجزائر حول ترشح الرئيس الجزائري لعهدة خامسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث تبقى حقيقة الترشح من عدمه غامضة بشكل يثير القلق من حدوث انقسامات داخل الحزب الحاكم والأحزاب الموالية للنظام، وهو ما بدأت بوادره تظهر خلال الأيام القليلة الماضية، فقبل أسبوعين قرر المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني “الأفلان”، إحالة نائبه في المجلس الشعبي الوطني، الغرفة الأولى للبرلمان، بهاء الدين طليبة، إلى لجنة تأديب ومحاسبة، بعد إعلانه إطلاق تنسيقية لدعم ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، في خطوة غامضة أثارت الجدل الكبير في الجزائر.

طليبة أعلن مطلع فبراير الجاري، أنه بصدد إنشاء تنسيقية وطنية لدعم ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة؛ تتضمن أسماء مسؤولين سابقين من رؤساء حكومات ووزراء، من بينهم رئيسي الحكومة الأسبقين، عبد المالك سلال، وعبد العزيز بلخادم، بالإضافة إلى وزير الطاقة السابق، شكيب خليل، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، السعيد بوحجة، لكن خرج الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، ليعلن “تحويل طليبة لمجلس تأديب، وفتح تحقيق لكشف من يقف وراءه”، مضيفًا أن أطرفًا لها نوايا خفية تحاول زعزعة وحدة الحزب وخلط الأوراق كما فعلت في 2004، مؤكدًا أن “قيادة الحزب لن تسمح بذلك وهي ساهرة على ضمان وحدة جبهة التحرير الوطني ووحدة الجزائر”، وكشف عن “دراسة 5 حالات لخرق القانون الأساسي والنظام الداخلي للحزب سيتم إحالة أصحابها قريبًا على لجنة التأديب قبل أن يفصل فيها الأمين العام للحزب”.

الخطوة أثارت العديد من علامات الاستفهام لدى النشطاء والمراقبين الجزائريين، حول ما يجري في الحزب الحاكم، والخطأ الذي ارتكبه طليبة عندما بادر بدعم الرئيس لترشحه لعهده رئاسية جديدة، فهل أصبح داعمو الرئيس مذنبون أمام الحزب الحاكم؟ أم انه انقلاب ناعم من داخل الحزب على بوتفليقة؟ وما زاد الغموض، تهديدات ولد عباس لكل من يتحدث عن عهدة خامسة للرئيس بوتفليقة بإحالة إلى لجنة التأديب وطرده خارج هيكل الحزب.

وبعد أن كان الأمين العام لجبهة التحرير لا يترك مناسبة أو حديثًا دون التأكيد على “الرئيس بوتفليقة بصحة جيدة وهو من يدير دفة الحكم، وسيكون مرشح الحزب لانتخابات 2019″، أصبح الآن يمنع مؤيدي الرئيس الجزائري قبل معارضيه عن التحدث في الشأن، ما يمثل انقلابًا غير مفهوم، حيث أعلن ولد عباس في مؤتمر صحفي قبل أسبوع أنه “ممنوع منعًا باتًا على كل المنتسبين إلى الحزب الخوض في الحديث عن عهدة خامسة للرئيس، ومن خرج عن هذه التعليمات سيتعرض للعقوبة”.

ورغم مطالبة ولد عباس، وادر الحزب بعدم التطرق إلى مسألة الترشح لولاية خامسة، إلا أن الأخير عاد ليؤكد السبت الماضي، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، سيترشح لولاية رئاسية خامسه في الانتخابات المقبلة، لكن بـ”الطريقة والتوقيت” اللذين تختارهما قيادة حزبه، حيث قال: “الرئيس بوتفليقة وحده من يملك سلطة القرار بشأن هذا الأمر، ولا يحق لأي كان الحديث عن العهدة الخامسة لبوتفليقة في الوقت الراهن”.

ماذا يحدث داخل “الأفلان”؟

حاول المراقبون والخبراء تفسير الحالة الغامضة التي يعيشها الحزب الحاكم بشأن ترشح بوتفليقة، حيث رأى بعضهم أن ما يحدث داخل “جبهة التحرير الوطني”، سباق من يقدّم آيات الولاء أولًا، حيث تكهنت مصادر بأن يكون هناك خلاف حدث بين الأمين العام للأفلان، جمال ولد عباس، والنائب البرلماني، بهاء الدين طليبة، وهو خلاف استراتيجي حول من يقدم خدمات أكثر للرئيس ومحيطه، فيما رأى آخرون أن محيط عبد العزيز بوتفليقة وبالتحديد شقيقه “سعيد بوتفليقة” أبدى انزعاجًا كبيرًا من تسرع بعض الأطراف في إطلاق حملة مبكرة لترشح بوتفليقة مجددًا لولاية رئاسية خامسة، حيث كان يريد أن يضع الموضوع في إطار سياسي أكثر مصداقية واختيار شخص موثوق للقيام بهذا الدور.

وتنبأ مراقبون باقتراب إطاحة جمال ولد عباس من على رأس الحزب الحاكم؛ لأنه دخل في صراع مع أصحاب المال، في إشارة إلى بهاء الدين طليبة، مُذكرين بما حدث للوزير الأول السابق، عبد المجيد تبون، الذي أُقيل بعدما عارض تدخل رجال المال في السياسة.

هل يصبح حمروش مرشح إجماع؟

في ظل التخبط والانقسام الذي يعيشه الحزب الحاكم في الجزائر، تتحرك الجهات المعارضة بأقصى سرعة لتشكيل جبهة موحدة تقف خلف مرشح مشترك لكي يتمكن من وزن كفة الميزان أمام المُرشح النظامي، حيث كشفت مصادر سياسية عن اتصالات تجري بين الأحزاب المعارضة لتشكيل تنسيقية هدفها الوصول إلى مرشح رئاسي توافقي بين الأحزاب المعارضة، حيث اجتمع عدد من شخصيات المعارضة في أكثر من مناسبة من أجل اختيار مرشح لها يمتلك شعبية لدى الشعب الجزائري، لكن المصادر أكدت أن حالة التشاؤم تخيم على المعارضة لأنها بكل أطيافها لا تمتلك شخصية يمكن أن يلتف حولها الجميع وتكون ذات شعبية، لكن الأمر لم يمنع التنسيقية المعارضة من التعهد بالوصول إلى مرشح توافقي ينافس الرئيس في حال ترشحه أو أي شخص آخر يرشحه النظام ليستمر في حكم الجزائر، ومن المرجح أن يقع الاختيار على مسؤول سابق، مدني أو عسكري، تحوّل بعد نهاية الخدمة أو بسبب خلاف ما، للعب في معسكر المعارضة.

وبرز اسم مولود حمروش، البالغ من العمر 74 عامًا، كمرشح مشترك للمعارضة، حيث أطلقت المعارضة الجزائرية في يناير الماضي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عريضة لدعم ترشح رئيس الحكومة السابق، مولود حمروش، لانتخابات الرئاسة باعتباره “رجل المرحلة” كما وصفوه، والذي لم ينقطع اسمه منذ عام 1991 عن أي انتخابات رئاسية، ويُوصف في الجزائر بأنه “مهندس مرحلة الانفتاح السياسي” من خلال دستور العام 1989، الذي أنهي مرحلة حكم الحزب الواحد خلال قيادته للحكومة من 1989 إلى 1991، وفي عام 1999 ترشح حمروش لمنافسة بوتفليقة على الرئاسة، لكنه انسحب رفقة مرشحين آخرين بدعوى “وجود انحياز من النظام والجيش لبوتفليقة”.