انتشار مراكز «بير السلم» لعلاج الإدمان.. والقوانين المعيبة أبرز الأسباب

رغم انتشار حملات التوعية من المخدرات؛ سواء في الإعلام أو المدارس والجامعات، إلا أن الأمر يزداد سوءا, بعدما أكدت الأرقام المعتمدة من صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، أن نسبة تعاطي المخدرات حوالي 10,5%, ونسبة إدمانها 2,5%, والنسبة كبيرة، مقارنة بعدد الأسرة في المستشفيات الحكومية المنوط بها علاج الإدمان.

ولم تتوقف أزمة مرضى الإدمان عند نقص الأسرة فقط، بل قانون علاج الإدمان أيضا، يعتبر من أبرز العراقيل التي تواجه أهالي مرضى الإدمان؛ فالقانون يمنع إجبار المدمن على العلاج، ما يجعل الأهالي يلجأون إلى المراكز العلاجية غير المرخصة وغير الخاضعة للإشراف الطبي؛ لأنها توفر خدمة “شحن المرضى” للعلاج دون إرادتهم، كما أن القصور في القانون يدفع بعض الأهالي اللجوء لعلاج أبنائهم عبر الهاتف؛ من خلال الخدمات العلاجية الهاتفية التي تقدمها بعض المواقع على الإنترنت.

90 %من مراكز علاج الإدمان غير خاضعة للإشراف الطبي

«علاج الإدمان في أقل وقت، لدينا أحدث الطرق في العلاج، سحب السموم دون آلام، وداعًا لأعراض الانسحاب».. أبرز العبارات التي تستخدمها المراكز من أجل الترويج لعلاج الإدمان سواء كانت تحملها لافتات في الشوارع أو عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، وكلما انتشرت المخدرات بصورة أكبر، كلما انتشرت المراكز، والمفاجأة أن 90% منها غير مرخص وغير خاضع للإشراف الطبي.

من جانبها، تستعرض “البديل” العديد من الأسباب التي ساعدت على نشأة وانتشار المراكز غير المرخصة ومهد قانون علاج الإدمان لظهورها، لاسيما أنه يقضي بضرورة موافقة مريض الإدمان على العلاج وعدم إجباره، ما يدفع ذويه إلى اللجوء للمراكز غير المرخصة، في ظل الزيادة الباهظة في تكاليف العلاج بالمستشفيات الخاصة، وتسببت المراكز غير الخاضعة للإشراف الطبي في العديد من الكوارث للمرضى؛ بسبب طرق العلاج الخاطئة، التي أدت إلى انتحار العديد من المدمنين، آخرهم الشاب الذي انهى حياته بيده منذ أشهر قليلة، شنقا داخل مصحة غير مرخصة بمنطقة الهرم.

ومن الكوارث التي تستخدمها المراكز أيضا، اتخاذ التعذيب نهجا للعلاج؛ من خلال ضرب المرضى وحرمانهم من الطعام بدعوى إجبارهم على العلاج، وكل هذه الأمور نتيجة عدم وجود إشراف طبي، حيث تعمل غالبية المراكز تحت إشراف مجموعة من المدمنين المتعافين فقط، دون أي إشراف طبي.

الدكتور عبد الرحمن حماد، رئيس وحدة الإدمان بمستشفى العباسية سابقا، يرى أن مراكز الإدمان غير الخاضعة للإشراف الطبي انتشرت بصورة كبيرة مؤخرا؛ بفضل القانون، الذي لا يجبر المدمن على العلاج، بل بكامل إرادته، وما يميز المراكز أنها توفر خدمة شحن المرضى للعلاج دون إرادتهم، موضحا أنه نادرا ما يتجه مريض الإدمان نحو العلاج بإرادته، ما يجعلنا بحاجة إلى تعديل قانون علاج الإدمان.

وأضاف حماد لـ”البديل”، أن أحد أسباب انتشار المراكز غير الخاضعة للإشراف الطبي أيضا، نقص الأسرة في المستشفيات الحكومية، التي تضطر المرضى إلى الوقوف طابور انتظار طويل قد يدفع المريض إلى عدم العودة مرة أخرى، لافتا أن غالبية المراكز غير المرخصة يشرف عليها مدمنون متعافون، دون وجود إشراف طبي، ما يعد خطأ كبيرا لأن علاج الإدمان بحاجة إلى الإشراف الطبي والعلاج النفسي أيضا.

«المصنعة» الأكثر انتشارا

انتشرت في الآونة الأخيرة المخدرات المصنعة بصورة كبيرة؛ نظرا لعدم ارتفاع أسعارها مقارنة بالمواد المخدرة الأخرى، وعلى رأسها “الاستروكس، والفودو”، والمخدرات المصنعة عبارة عن مجموعة من المواد المستخلصة أو الممزوجة أو المضافة أو المحضرة من نباتات موجودة في الطبيعة، أو كل مادة مخدرة تستخلص من النبات وتضاف إليها مادة كيميائية وتحتوي على عناصر مخدرة فعالة ينتج عن تعاطيها فقدان جزئي أو كلي للإدراك وتترك لدى المتعاطي اعتماداً نفسياً أو عضوياً أو كلاهما، وتتسبب في حالات من الهياج لدى متناوليها، وتنتشر المخدرات المصنعة وسط صغار السن؛ نتيجة لقلة أسعارها.

وأوضح عدد من الأطباء والأخصائيين النفسيين، أن المخدرات السبب الرئيسي في ظهور الأمراض النفسية، خاصة المواد المصنعة، حيث قال الأخصائي النفسي مسعد عبد الكريم، إن مدمني المخدرات يكونون أكثر عرضة للأمراض النفسية بصورة كبيرة، فتعتبر المخدرات عاملا أساسيا في تفجير الأمراض النفسية لمتناوليها، خاصة المخدرات المصنعة، التي تتسبب في حالات من الهياج العصبي قد يصعب الهيمنة عليها مع الوقت.

وأضاف عبد الكريم لـ”البديل”، أن غالبية المدمنين يخضعون للعلاج المزدوج؛ أي النفسي والمخدرات أيضا، متابعا أن المدمن الذي اعتاد تناول المخدرات لا يستطيع ممارسة حياته بصورة طبيعية دونها؛ فبعضهم لا يستطيع حتى ممارسة عمله دون تناولها، مؤكدا على ضرورة خضوع مريض الإدمان للكشف النفسي أثناء إجراء تحاليل المخدرات.

وأوضح الدكتور رضا الغمراوي، مدير مستشفي العباسية للصحة النفسية الأسبق، أن جميع أنواع المخدرات تتسبب في تفجير الأمراض النفسية والذهنية لمتناوليها وليست المخدرات المصنعة فقط، مضيفا لـ”البديل”، أن هناك معلومة خاطئة يتم تداولها بأن المخدرات تتسبب في الإصابة بالأمراض النفسية للمدمن الذي يكون لديه استعداد في البداية للمرض النفسي، لكن المعلومة غير صحيحة، فالمخدرات لها تأثير سلبي على متناوليها بكافة أنواعها، وعامل أساسي في ظهور الأمراض الذهانية لكل متناوليها ليس من لديهم استعداد للمرض فقط.

العلاج بالهاتف.. والأطباء تحذر

ورغم حملات التوعية التي يتبناها الإعلام بضرورة اعتراف الأهالي بمرض أبنائهم من المدمنين والتوجه لعلاجهم في المراكز والمستشفيات المتخصصة، إلا أن البعض لايزال يرى وقوع أبنائهم في براثن الإدمان، وصمة عار تلاحقهم، ما يضطرهم إما إلى عدم الاعتراف بالمشكلة برمتها وترك أبنائهم فريسة لوحش الإدمان ينهش في أجسادهم، أو محاولة حل الأزمة عن طريق العلاج عبر الهاتف، تلك الخدمة التي تقدمها بعض الصفحات على الإنترنت، التي تؤكد أن لديها متخصصين وفريق طبي متكامل يردون على استجوابات المرضى، بل ووصف العلاج المناسب لحالتهم ليساعدهم على التخلص من مرحلة سحب السموم بصورة أسرع في مقابل تحويل مبالغ من المال للقائمين عليها، سواء عن طريق الكريديت كارد  أو الهاتف.

وسبق أن حذرت نقابة الأطباء من التعامل مع تلك الصفحات، مؤكدة أن قانون النقابة لا يشمل العلاج عبر الإنترنت مطلقا، حيث قال الدكتور أحمد شوشة، عضو مجلس نقابة الأطباء الأسبق، إن بعض الصفحات التي تؤكد أنها تقدم العلاج في العديد من المجالات تحت إشراف طبي متكامل، لكن الأمر يخالف قانون نقابة الأطباء، مؤكدا أن هذه المواقع غير مسجلة بنقابة الأطباء وغير معلوم من يرد على المرضى، ويصف الأدوية لهم، مؤكدا أنه لتحديد حالة أي مريض، يجب الكشف عليه بصورة فعلية، ومن ثم يتم تشخيص الحالة ووصف الأدوية المناسبة لها، مطالبا وزارة الصحة بالتدخل للحد من الصفحات التي تستغل المواطنين وتبيع الوهم لهم.

«الصحة» البرلمان: سنتواصل مع أطباء الإدمان لتعديل القانون

ومن جانبها، قالت الدكتورة إليزابيث شاكر، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إن مريض الإدمان شخص فاقد الأهلية بصورة تامة، ما يعطى لأهله حرية التصرف في علاجه، مضيفة لـ”البديل”، أن هناك مادة في القانون يجب تعديلها، مؤكدة أنها سوف تتواصل مع أطباء الإدمان للاطلاع عليها، ومن ثم التقدم بطلب إلى الدكتور علي عبد العال، رئيس البرلمان؛ للمطالبة بتعديل القانون.