تركيا تستنجد بإيران وروسيا.. محاولات للخروج من مستنقع «عفرين»

رغم تضارب الحديث حول دخول قوات الجيش السوري إلى مدينة عفرين من عدمه، وفي الوقت الذي تتحدث فيه تركيا عن استمرار عملية “غصن الزيتون” واحتمال امتدادها إلى منبج، ظهرت خلال الساعات القليلة الماضية مؤشرات القلق والارتباك التركي على خلفية الأنباء التي تحدثت عن اتفاق كردي- سوري لدخول قوات الجيش السوري إلى عفرين، ما يعني أن القوات التركية قد تقع بين مطرقة القوات الكردية وسنداد الجيش السوري.

تركيا تستبق الكماشة السورية

ظهر حراك دبلوماسي مكثف أمس الاثنين، قادته تركيا باتجاه الدول الفاعلة في الأزمة السورية، وعلى رأسها إيران وروسيا، حيث أجرى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الإيراني، حسن روحاني؛ للتباحث بشأن تطورات الوضع في سوريا، وآخر ما توصلت إليه عمليات “غصن الزيتون” التركية في مدينة عفرين، وخلال الاتصال قدّم الرئيس التركي تقريرًا عن تواجد القوات التركية في منطقة عفرين، وقال: “إننا نأمل في أن يجري تطهير جميع المناطق السورية من وجود الإرهابيين، ونؤمن بأن صيانة وحدة التراب السوري يبنغي أن يكون هاجس جميع دول المنطقة”، وأشاد أردوغان بدعم الجمهورية الإيرانية لتركيا في القضايا الإقليمية والدولية ومكافحة الإرهاب، مؤكدًا على مواصلة مسار التباحث والتعاون بين إيران وتركيا وروسيا لتسوية الأزمة السورية، وختم بالإشارة إلى أن “الممارسات الرامية إلى تدمير جهود الدول الثلاث في استانا وسوتشي، لن تصب أبدًا في خدمة المنطقة”.

من جانبه، وصف الرئيس الإيراني، حسن روحاني، التعاون والمباحثات الثلاثية بين إيران وتركيا وروسيا حول قضايا المنطقة ولاسيما مكافحة الإرهاب وتسوية الأزمة السورية، بالإيجابية والمؤثرة، مؤكدًا ضرورة مواصلة المساعي وتطوير التعاون والمباحثات بين طهران وأنقرة وموسكو حتى تحقيق الأهداف المطلوبة، وأضاف أن مكافحة الإرهاب وتطهير سوريا من وجود الجماعات الإرهابية والتصدي لمخططات التقسيم في المنطقة، من الأهداف المشتركة لإيران وتركيا، مشيرًا إلى أن المنطقة تشهد هذه الأيام مؤامرات تقسيم ومحاولات لإيجاد حكومات عميلة، ما يستلزم تطوير التعاون الشامل لإزالة المخاوف الأمنية.

وفي الإطار ذاته، سارع الرئيس التركي إلى إجراء اتصال هاتفي آخر مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، صاحب الصوت العالي في الساحة السورية، حيث بحث أردوغان مع بوتين تطورات شمال سوريا، وأبلغ الرئيس التركي نظيره الروسي، أن دخول قوات الجيش السوري إلى عفرين سيكون له تداعياته، زاعمًا أن “النظام السوري سيواجه عواقب وخيمة إذا أبرم اتفاقًا مع المسلحين الأكراد”، مشيرًا إلى أن بلاده لا تعارض الاتفاق بين الحكومة السورية والوحدات الكردية في مدينة عفرين بل يجب أن يحصل على تأييد”.

على جانب آخر، أعلن الكرملين أن موسكو تحضر للقاء يجمع الرئيس الروسي مع نظيريه التركي والإيراني، في اسطنبول خلال شهر أبريل المقبل، حيث قال السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، دميتري بيسكوف، إنه يتم التحضير لعقد مثل هذا اللقاء، فيما كشف المتحدث باسم الحكومة التركية، ونائب رئيس الوزراء، بكر بوزداغ، أن وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران سيجتمعون في 14 مارس لبحث الوضع في سوريا.

ويأتي الحراك الدبلوماسي والاتصالات التركية المكثفة في خضم محاولات أنقرة التوسط لدى الدول الكبرى لمنع الجيش السوري من إطلاق عمليه عسكرية في مدينة عفرين بالتعاون مع القوات الكردية هناك، خاصة بعدما ترددت أنباء عن توصل الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، الأحد الماضي، إلى اتفاق يقضي بدخول الجيش السوري إلى مدينة عفرين لحمايتها والدفاع عنها، ما يعني أن القوات التركية المتواجدة في المنطقة في إطار ما تسميها أنقرة عملية “غصن الزيتون” ستقع وسط كماشة سورية كردية سوف تزيد العراقيل أمام تحقيق أهدافها، إن لم تؤد إلى هلاكها من الأساس، الأمر الذي دفع أردوغان إلى التحرك سريعًا والاستنجاد بالقوى المتعاونة مع الجيش السوري.

الرعب التركي من دخول القوات السورية إلى عفرين، ظهر عمليًا مساء أمس الاثنين، في مسارعة المدفعية التركية في قصف الممرات والحواجز التي كان من المفترض أن تمر عبرها القوات السورية إلى عفرين، الأمر الذي يوحي بحالة من الغضب والتخوف التركي من هذه الخطوة، خاصة أن أنقرة تدرك جيدًا أن القوات السورية إذا استجابت لاستغاثة الأكراد وقررت الدخول إلى عفرين فإنها ستحسم المعركة في غضون أسابيع إن لم تكن أيام، لأن حينها سيكون الجيش السوري مدعوم دوليًا على اعتبار أنه يدافع عن أراضيه ضد غزاة محتلين، ناهيك عن أن الحكومة السورية سبق أن حذرت تركيا من انتهاك سيادة الدولة السورية.

الجيش السوري في عفرين.. بين النفي والتأكيد

لايزال تواجد الجيش السوري بشكل فعلي في مدينة عفرين على خلفية اتفاقه مع القوات الكردية، بين النفي والتأكيد، حيث نفى المتحدث باسم الحكومة التركية، ونائب رئيس الوزراء، بكر بوزداغ، دخول قوات الجيش السوري إلى عفرين، وقال في مؤتمر صحفي، أمس، إن السلطات الرسمية لم تؤكدها، وبالتالي فهي أنباء لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ولا علاقة لها بالواقع، محذرًا من أن اتخاذ الحكومة السورية خطوات بهذا الاتجاه سيؤدي إلى كوارث بالنسبة إلى المنطقة، معتبرًا أن دخول القوات السورية إلى عفرين سيعطي الضوء الأخضر لتقسيم سوريا، وفق زعمه.

من جانبه، نفى الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، صالح مسلم، من برلين، التوصل إلى أي اتفاق مع الحكومة السورية، وأعرب عن أمله في أن يحصل حزبه على دعم من الولايات المتحدة ومن أوروبا في هذا الصراع، كما نفت وحدات حماية الشعب الكردية أول أمس، التوصل إلى اتفاق مع دمشق لدخول القوات الحكومية إلى مقاطعة عفرين للمساعدة في صد الهجوم التركي، موضحة أنه ليس هناك اتفاق، إنما دعوة وجهتها الوحدات الكردية، وقال المتحدث باسم الوحدات الكردية، نوري محمود، “ليس هناك أي اتفاق، فقط توجد دعوة من قبلنا بأن يأتي الجيش السوري ويحمي الحدود”.

في المقابل، أكدت وسائل الإعلام السورية الرسمية، أن “قوات شعبية ستدخل مدينة عفرين خلال ساعات للتصدي لأي هجوم تشنه تركيا على المدينة”، وسبقتها تأكيدات من قيادي في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي، شيخو بلو، حول التوصل إلى اتفاق ودخول الجيش السوري إلى عفرين لحمايتها والدفاع عنها.

محاولات الهروب من مستنقع عفرين

بعيدًا عن حقيقه دخول الجيش السوري إلى مدينة عفرين فعليًا من عدمه، فإن العديد من المراقبين يرون أن الحديث عن استنجاد تركيا بالقوى الكبرى المؤثرة في سوريا والمتمثلة في إيران وروسيا، والمحادثات الهاتفية المكثفة بين الطرفين، لم تأت فقد للتوسط لدى هذه القوى لمنع الجيش السوري من دخول معركة عفرين مع الأكراد ضد تركيا، بل تأتي في إطار محاولات أنقرة الهروب من مستنقع عفرين، خاصة بعدما فشلت عملية “غصن الزيتون” في تحقيق أهدافها، فرغم مرور شهر على انطلاقها، إلا أنها لاتزال تراوح مكانها ولم تحقق الأهداف التي كانت تأملها تركيا منها، بل تكبدت القوات التركية خسائر فادحة بشرية ومادية، خلال هذه العملية، فقد أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، قبل أسبوع، أن حصيلة القتلى بين عناصر قوات “غصن الزيتون” وصلت إلى 185 عنصرًا، بينهم 27 جنديا تركيا على الأقل.