واقع غزة.. بين حانا ومانا ضاعت لحانا !

سأحاول ألا أعبئ هذا المقال بالإنشاء، على غرار الكثيرين، وعلى غرار واقع غزة الخالي من أي رؤية واضحة، فيوما بعد يوم نزداد ازدراءً للغة، وللمصطلحات، وللكلمات الحماسية المخادعة، التي طالما تغنيّنا بها، ولكن ها نحن ذا، نعيش مرارة الخطأ الكبير، الذي اشترك فيه الكل الوطني الفلسطيني، حين ساهموا بل وزادوا من معاناة شعب غزة، القابع تحت الإحتلال أولاً، والذي يدفع ضريبة الإنقسام والفرقة، والتعبئة الحزبية والفئوية، وإقصاء الآخر وطمس ما يحمله من روح وطنية، اشتركنا بمعاناتنا حين ارتضينا لأنفسنا أن نصل إلى هذا الفراغ، هذا اللاشيء، اللامستقبل وحلم، ولا نتيجة وطنية حتى.

اختلفت مع كثير من أصدقائي من يقولون دائما أن غزة على شفا الهاوية، وأننا مقبلون على أزمة حقيقية، وعللت ذلك بأننا لسنا مقبلون على أزمة، لأننا فعليا في منتصف الأزمة والكارثة. الفقر تجاوز نسبته ال70 بالمئة، وعشرات آلاف المرضى، وعشرات آلاف الأسر بلا مأوى، وأكثر من 70 بالمئة من الشباب بلا عمل، وكهرباء ساعتين أو ثلاث يومياً، ومعابر مغلقة، لا سفر لا حرية لا صحة لا مستقبل لا شيء، كل هذا ونحن مقبلون؟، لا يا عزيزي نحن في منتصف الكارثة تماماً، وهذا كله نتيجة الفشل السياسي والوطني الذريع الذي لحق بنا، بعد سبعين سنة من النضال والقتال.

الواقع السياسي الذي نمر به يتلخص بالآتي: لدينا حماس، فتح “سلطة”، الاحتلال. كل طرف من هؤلاء هو جزء في المعادلة المفروضة بشكل عام، وعلى قطاع غزة بشكل خاص.

حماس أولاً تسيطر على القطاع فعلياً، وهي لا تمتلك لذلك سوى قوتها العسكرية، وتتبنى برنامجا باعتباره قائما على الاختلاف مع منظمة التحرير باعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني، وعدم الاختلاف على برنامج المنظمة المتمثل بدولة بحدود 67 إلا بأن المنظمة معترفة بإسرائيل، وحماس ليست معترفة!، ما علينا لن أتطرق لهذه النقطة. إضافة إلى الاختلاف على الوسيلة، حيث حماس تعتبر الوسيلة هي المقاومة والعمل العسكري، ولكن فتح تبنّت الخيار السلمي والسياسي. وهي ترغب بترك السلطة فعلياً في غزة، ولديها قرار استراتيجي بذلك، ولكن بدون المساس بمنظومتها العسكرية القائمة في القطاع، واستمرار تطبيق برنامجها المقاوِم.

ثانياً السلطة الفلسطينية، فهي النظام الرسمي المعترف به دولياً، وهي التي تفرض عقوبات الآن على قطاع غزة، باعتبارها المتحكم بموارد الشعب في غزة الاقتصادية والخدماتية، وذلك في إطار الضغط على حماس للتسليم بما تريده، فما الذي تريده السلطة ؟

السلطة تريد أن تفرض سيطرتها على غزة مثلما تفرضها على رام الله، وعلى خانيونس مثل بيت لحم، أو مثلما قيل مراراً، “سلاح واحد، سلطة واحدة، شرعية واحدة”، مع تأكيد الرئيس بأنه لن يقبل بنموذج حزب الله في لبنان، أي نموذج وجود قوة عسكرية موازية في مناطق حكم “الدولة”، مما سيقوّض سيادتها الداخلية ونرجع للنقطة صفر!

إذن هنا المطلوب واضح، لا يجب أن يكون هناك قوة عسكرية لحماس في غزة، كي تأتي السلطة وتستلم حكم قطاع غزة بشكل كامل، أو ما يعني “التمكين”، وبعد ذلك يتم التنفيس عن أهل غزة، أما دون ذلك، “إبننا عندنا وبنتهم عندهم”.

وبذلك أنا أرد على أصدقاء كثيرين، سبّبوا عرقلة المصالحة بالموظفين والجباية، بأن المشكلة هي الأمن والسيطرة الأمنية الكاملة، أو ما يعني بصيغة أخرى، “تسليم سلاح المقاومة”

بذلك عزام الأحمد لم يكذب حين قال أنه لم يأت على سيرة سلاح المقاومة، هو فعليا لم يقل لهم نريد سلاح المقاومة، ولكن قال نريد تمكين وسلاح واحد، يعني مثلما يقول لك أحدهم: “مش نايم من مبارح”، هو لم يقل أنه نعسان، ولكنه قال لم ينم منذ الأمس.

وثالثا، الاحتلال، وهو بالطبع المسؤول الأول عن كل شيء، هذا من جانب منطقي قبل أن يكون جانباً وطنياً، لأنه لولا وجود الاحتلال لما وُجد كل هذا التعقيد، والاحتلال هنا معلوم مُراده، هو يقدس أمنه أولاً، ويُسعده جداً استمرار الإنقسام لأطول قدر ممكن، كي يظل الطرف الفلسطيني معطّلاً، وغير مؤهل أصلاً للمجابهة ونيل الحقوق والاستحقاقات الوطنية، إضافة إلى دوره في الحصار المفروض واشتراطه نزع السلاح لتسوية الأوضاع الاقتصادية والخدماتية لأهل القطاع.

هنا ثلاثة أطراف كل منها مسؤول، وبينهم جميعاً هناك شعب، يُضغط عليه من كل الأطراف، ويوظّف كأداة بيدهم، لتصفية الحسابات السياسية، ولكن ما أجزم به، أن كل هذا الضغط المُمارس على الشعب، لن يُفضي إلى انفجار بالشكل الذي يريده الضاغطون.

لن تنفجر غزة في وجه حماس يا سيادة الرئيس، صعب، وأشبه إلى المستحيل، ننفجر كيف ونحن أصلا أشلاء؟

إضافة إلى أن زوال حماس، هل يُعتبر مصلحة وطنية الآن؟

من تعتقدون من الممكن أن يكون البديل؟

بالتالي أي مصالحة تقتضي إقصاء أي طرف، لن تكون مصلحة لا لمشروع وطني وقضية، ولا لشعب مناضل دفع من دماءه ومستقبله ولا زال يدفع، كما أن أي مصالحة قائمة على نزع سلاح المقاومة فهي ضرب من الخيالات، فنزع هذا السلاح لن يكون إلا بالقوة، يعني بحربٍ تولّد واقعاً سياسياً جديداً، وهذا بالطبع ما نرفضه على كافة الأصعدة، لأن تكلفة هذه الحرب باهظة جداً.

فكيف يكون الخروج؟

من وجهة نظري لا يجوز قص الحديد بالخشب، ولا يجوز بناء مصالحة على برنامجين أصلا متعارضين، وأنه لا طريق ولا وصول لأي شئ، إلا بإيجاد برنامج نضالي مقاوم وطني مشترك، يجمع القطبين الأكبرين أولاً، وكل القوى الوطنية، تحت راية منظمة التحرير الوطنية، أو أي شيء يرغبونه، المهم أن نتّشح براية فلسطين فقط، ونختلف نختلف، ولكن نتفق على الوطن والقضية.

لن تكون هناك مصالحة بهذه السهولة، إذا لم يتحقق هذا البرنامج، ويتفق عليه ويتبناه الجميع، ولكن هذا لا أعتقده ممكناً في عهد الرئيس محمود عباس، وأن حماس ستظل تبحث عن مخرج يخفف وطأة الألم هذه الفترات، فقد يكون ذلك بشراكة مع دحلان، أو دعم من قطر، أو غيره من وسائلها، ما لم يطرأ واقع جديد، يغيّر كل شيء.

كاتب فلسطيني